الحياة ليست جدولاً مخططاً بعناية

بدأت مؤخراً بمحاولات استعادة توازني بعد تجربة الأمومة. تجربة انتزعتني من أعمق مناطق الراحة ورمتني في أقصى نقطة عنها. الأمومة تجربة لا توصف، متناقضة وجميلة وصعبة وثقيلة وممتعة للغاية.

لم أتخيل أبداً أن أستغرق عاماً وأربعة أشهر لاستيعاب ما مررت به. تقاذفتني أمواج القلق منذ أيام ولادتي الأولى. جسدي مرهق وعقلي لا يهدأ. حاولت مشاركة مشاعري مع من حولي، فسمعت إجاباتٍ زادتني حيرة ولم أعِ أنني في عمق اكتئاب ما بعد الولادة. هذا الذي يتلبسك فتغدو غريباً عن نفسك ولكنك متزن أمام الناس. بكاؤك لك وضحكك للناس. الحرب داخل نفسك والسِّلم أمام الناس. يومي روتين متكرر لأجل النجاة فقط. اللحظة التي سأنام فيها كانت بمثابة إعلان لنهاية اليوم قبل بدء العاصفة من جديد.

زاد من قلقي مرحلة بدء الطعام لطفلي. Baby led weaning، الطرق التقليدية، انتقائية الطعام، الحساسية من بعض الأطعمة، الرضاعة الطبيعية ومحاولات تخصيص وقت للشفط أثناء ساعات العمل، المحافظة على المكملات ومتابعة مستويات الإدرار، وغيرها من التفاصيل الصغيرة التي لا أحد يستطيع مشاركتي التفكير بها والقلق بشأنها. تحدثت مع الكثير من الأمهات، وقرأت مقالات، وتابعت حسابات التغذية والرضاعة الطبيعية على انستجرام، وكل ما تعمقت أكثر ازداد قلقي أكثر فأكثر، وازداد الاكتئاب حتى أصبحت أبكي كل صباح في السيارة، وبمجرد الدخول للمكتب أسيطر على كافة مشاعري وانفعالاتي.

مضت تسعة أشهر قبل أن أطلب المساعدة من المختصين. أخذت الخطوة الأولى وحجزت موعدي الأول لدى أخصائية نفسية. “أنتِ شخصية قلوقة، والقلق توأم الاكتئاب. سيطري على القلق وبينحل الاكتئاب من نفسه.” كان هو الموعد الأول والأخير، ليس لأني لم أجد نتيجة، بل على العكس فطنت من خلال حديثنا لأمور كثيرة. لكنني لم أعاود حجز موعد آخر فقط لأني أتقن التأجيل، ولكني متيقنة من ضرورة سبر أغوار أمور كثيرة كي أصل للتوازن الذي يمنحني السلام الداخلي.

أعتقد أن الوعي بمسببات القلق هو ما ساعدني على الخروج مما كنت حبيسته. قلصت قائمة الحسابات التي أتابعها والتي كانت سبباً في إحساسي بالتقصير والشعور بالذنب. أبقيت منها ما أتفق مع توجهاته المتزنة والتي تراعي ظروف الحياة ولا تنادي بصرامتها. أخفضت سقف توقعاتي لنفسي، وحاولت النظر للأمور بالمزيد من الواقعية لا المثالية. بدأت بفطام صغيري بعمر الثمانية أشهر، ولم أعد أفكر برغبتي الشديدة بإتمام العامين، بل سأصفق لنفسي كثيراً على المجاهدة للوصول لهذا الحد رغم صعوبة ذلك. زاد استيعابي لأهمية المرونة في حياتي اليومية، وأنه لا ضير من التقصير في بعض الجوانب التي تفوق طاقتي، ولن يجعلني هذا شخصاً أسوأ، بل يجعلني إنساناً له قدرة محدودة على التحمل. بدأت بموازنة أولوياتي واستبعاد كل ما ينتقص من طاقتي ولا يضيف لها. أحاول كثيراً أن أجعل الأمور “سهالات”، ومجاراة أحداث اليوم دون إعلان حالة الاستنفار إن حصل تأخير أو طارئ لم أتنبأ به. أحاول أن أعيش الحياة كما هي: حياة، وليست جدولاً مخططاً بعناية. الأمومة تستدعي أن تفي بحقك تجاه نفسك أولاً قبل أي فرد في العائلة أو من حولك. لك الحق بالحنان والاهتمام والرعاية، وهي لا تأخذ من طاقتك تجاه الآخرين، بل على العكس تماماً تشحذ همتك وتجعلك أكثر عطاءاً وحماساً في أداء مهامك اليومية الروتينية كأم. والإناء بما فيه ينضح 😀

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s